مجموعة مؤلفين

266

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

الانسان إلى التعفف عما في أيدي الناس . يقول الإمام ( ع ) : « الغنى الأكبر ، اليأس عما في أيدي الناس » ( الحكمة 342 نهج ) . قال بعض أصحابنا : جاء في دعاء النبي ( ص ) : « نعوذ بك من الفقر والقلة » . قيل : الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعم اللّه ونسيان ذكره ، ويدعوه إلى سدّ الخلّة ( أي سدّ حاجته ) بما يتدنس به عرضه ويثلم به دينه . والقلّة تحمل على قلة الصبر أو قلة العدد . وقال الإمام علي ( ع ) لابنه محمد بن الحنفية : « يا بني ، إني أخاف عليك الفقر ، فاستعذ باللهّ منه ، فان الفقر منقصة للدين ، مدهشة للعقل ، داعية للمقت » ( الحكمة 319 نهج ) . وفي الخبر أنه ( ص ) تعوذ من الفقر ، وقال : « الفقر سواد الوجه في الدارين » ، ثم قال في موضع آخر : « الفقر فخري وبه أفتخر على سائر الأنبياء » ، وقال ( ص ) : « اللّهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين » . فكيف نوفق بين القولين يمكن ذلك بلحاظ أن الفقر الذي تعوذ منه هو الفقر إلى الناس ، والذي دون الكفاف ، والذي افتخر به ( ص ) الفقر إلى اللّه تعالى . وسؤال الفقر لم يرد في الأدعية ، بل ورد في أكثرها الاستعاذة من الفقر الذي يشقى به الانسان ، وعن الغنى الذي يصير سببا لطغيانه . فقر الدين : ومن أدنى معاني الفقر « فقر الدين » وهو الفقر الحقيقي ، لأنه يورد صاحبه إلى النار وإلى غضب الجبار . وفيه قال الإمام علي ( ع ) : « الفقر الموت الأكبر » . ( 1 ) عن الإمام جعفر الصادق ( ع ) قال : « الفقر الموت الأحمر » . فقلت له : الفقر من الدينار والدرهم قال : « لا ، ولكن من الدين » . ( 2 ) وفي ذلك قال الإمام علي ( ع ) : الفقر والغنى بعد العرض على اللّه » ( الحكمة 452 نهج ) . وهو نظير ما أشار اليه النبي ( ص ) بقوله : « أتدرون ما المفلس » فقيل : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع له . فقال ( ص ) : « المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دمّ هذا وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته ، فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ، أخذ من خطايا هم فطرحت عليه ، ثم طرح في النار » .

--> ( 1 ) كون المقصود من هذه الكلمة هو ذلك يحتاج لمزيد من التأمّل . ( 2 ) الكافي ج 2 ص 266